يحيى بن معاذ الرازي
84
جواهر التصوف
العطاء ؟ ورأينا بعد أن عرفنا الورع فيما سبق أن نكتفي هنا بإيراد أمثلة عملية للتدقيق في الدين حتى تكون لنا نبراسا نهتدى به ونقيس عليه . . * من المتعارف عليه أن الظّلّ في الطريق مباح للجميع ، لا حرمة على من ينتفع به . . ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان لا يستظلّ ببيت غريمة إذا ذهب إليه يطالبه بسداد دينه ويقول في ذلك : « كلّ قرض جرّ نفعا فهو ربا » . * رهن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله سطلا عند بقال في مكة بدرهم . . فلما جاء لفكاكه ، أخرج البقال إليه سطلين وقال : خذ أيهما لك ، فقال أحمد : أشكل علىّ سطلى فلا أستطيع أن أحدّده منهما ، وترك للبقال السطل والدرهم ، وقال : هما لك ، وتركه يريد الانصراف ، فسارع البقال قائلا : هذا سطلك ، إنما أردت أن أجرّبك . . فانصرف أحمد ولم يأخذ منه شيئا . * وروى مالك رحمه الله في الموطأ « أن رجلا قدّم إلى عمر رضي الله عنه لبنا فشرب منه وأعجبه ، فسأل عنه ، فقال الرجل : إنه مرّ علي ماء فيه إبل صدقة ، فحلب القائمون عليها من ألبانها فجعله الرجل في سقائه ، ومنه شرب عمر ، فأدخل عمر يده فاستقاءه » . * وقبله الصّدّيق أبو بكر رضى الله تعالى عنه ، لما قدّم إليه غلامه طعاما ، فأكل منه ، ثم سأل عنه ، فقال الغلام : كنت قد رقيت لقوم في الجاهلية فلما مررت بهم اليوم أعطونى هذا الطعام ، فاستقاءه أبو بكر ، ولما قيل له : أكلّ هذا من أجل هذه اللّقمة ؟ قال : نعم ، لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « كلّ جسم نبت من سحت فالنّار أولى به » . * وهذا عمر بن عبد العزيز يستقبل رجلا يحدّثه بشأن مصر من الأمصار ، ولما انتهى الكلام بخصوص العمل سأل الرجل الخليفة عن أحوال أولاده ، فقام عمر مسرعا وأطفأ المصباح وأشعل غيره ، ويستفسر الرجل عن سرّ ما عمله عمر ، فيقول عمر : المصباح الذي أطفأته كان زيته من بيت مال المسلمين ، وكنا نتحدث في شؤونهم ، فلما تحولت للسؤال عن أحوالي أشعلنا مصباحا زيته من مال عمر . * استأجر إبراهيم بن أدهم دابة تحمله إلى عمان . . وفي الطريق سقط منه سوطه ، فلما تنبّه لذلك نزل من على الدابة وقيّدها ثم عاد في الطريق ماشيا ليأتي بالسوط ، ولما عاد به سأله أصحابه : كان أيسر عليك أن تحوّل رأس الدابة وتعود بها راكبا لتأتي بالسوط بدلا من السير على قدميك ! ! فقال لهم : كيف ؟ ! استأجرت الدابة لتسير هكذا ( وأشار بيده نحو عمان ) ولم أستأجرها للسير لتعود في الاتجاه المضاد . * ذهبت أخت بشر الحافي إلي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تسأله : إننا نغزل الصوف على سطح بيتنا ، وبالليل تمر الشرطة تحمل المشاعل ، فهل يجوز أن نغزل على ضوئها ؟ فسألها ابن حنبل : من أنت ، عافاك اللّه ؟ قالت : أخت بشر الحافي قال : من بيتكم يخرج الورع الصادق ، لا